منتديات بني ورثيلان التعليمية


في منتديــات بني ورثيـــلان التعليميــــة.

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بالدخول إذا كنت عضوا معنا
أو التسجيل إن كنتَ زائرا و ترغب في الانضمام إلى أسرتنا
سنتشرف كثيرًا بتسجيلك . شكرًا
الإدارة



تاجر أخلاق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جيد تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 14:14

الجزء الأوّل
تَاجِرُ أَخْلاَق
"تَاجِرُ أَخْلاَقٍ بِالْجُمْلَةِ والْقِطَاعِيِّ...الْمَحَلُّ لَهُ فُرُوعٌ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ"

أَدْهَشَتْنِي اللاَّفِتَةُ كَمَا لاَ شَكَّ أَنَّهَا تَبْعَثُ الدَّهْشَةَ فِي نَفْسِ كُلِّ مَنْ يَرَاهَا غَيْرِي، فَمَا رَأَيْتُ مِنْ قَبْلُ تَاجِرَ أَخْلاَقٍ وما سَمِعْتُ قَطُّ أَنَّ الأَخْلاَقَ تُبَاعُ لاَ بِالِجُمْلَةِ ولاَ بِالْقِطَاعِيِّ.
وهَزَزْتُ رَأْسِي فِي حَيْرَةٍ وخُيِّلَ إِلَيَّ أَنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ الْقِرَاءَةَ فَعُدْتُ مَرَّةً ثَانِيَةً أُحْقِّقُ فِيهَا النَّظَرَ وأُمْعِنُ قِرَاءَتَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَوَجَدْتُ أَنِّي لَمْ أُخْطِئْ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وأَنَّ الرَّجُلَ حَقّاً تَاجِرُ أَخْلاَقٍ أَوْ عَلَى الأَقَلِّ هَذَا مَا يَدَّعِيهِ. [...]
وتَمَلَّكَنِي الدَّهَشُ فَمَا كُنْتُ قَدْ رَأَيْتُ الْحَانُوتَ مِنْ قَبْلُ رُغْمَ تَعَوُّدِي السَّيْرَ فِي الطَّرِيقِ وزَادَ دَهْشَتِي أَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي أُقِيمَ فِيهَا الْحَانُوتُ كَانَتْ مُقْفَرَّةً خَالِيَةً لاَ يَكَادُ يَمُرُّ بِهَا إِنْسَانٌ وكَانَ مِنَ الْغَبَاوَةِ والْحُمْقِ أَنْ يُحَاوِلَ تَاجِرٌ أَيّاً كَانَ أَنْ يَتَّخِذَ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُقْفَرَّةِ سُوقاً لِتِجَارَتِهِ إلاَّ إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى أَنْ يَبِيعَ بِضَاعَتَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْجِنِّ والشَّيَاطِينِ.
واقْتَرَبْتُ مِنَ الْحَانُوتِ لأَتَبَيّنَ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الْحَوَانِيتِ يَكُونُ ولَمْ يَبْدُ عَلَى مَظْهَرَهِ الْخَارِجِيِّ مَا يُسْتَدَلُّ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مَقْهًى مِنْ تِلْكَ الْمَقَاهِي الْخَلَوِيّةِ الَّتِي تُقَامُ فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ والَّتِي يَلْجَأُ إِلَيْهَا النَّاسُ لِيَنْعَمُوا بِالْهُدُوءِ والسَّكِينَةِ إذْ لَمْ أَجِدْ أَثَراً لِمَنَاضِدَ أَوْ مَقَاعِدَ صُفَّتْ خَارِجَهَا وَوَقَفْتُ أَمَامَ الْحَانُوتِ ورَفَعْتُ بَصَرِي إِلَى أَعْلًى فَقَرَأْتُ اللاَّفِتَةَ الْعَجِيبَةَ: " تَاجِرُ أَخْلاَقٍ بِالْجُمْلَةِ والْقِطَاعِيِّ..."
وعَلَتْ وَجْهِيَ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ وانْطَلَقَتْ مِنْ فَمِي ضَحْكَةٌ خَافِتَةٌ: "تَاجِرُ أَخْلاَقٍ!" هَذَا رَجُلٌ مَجْنُونٌ وَلاَ شَكَّ فَمَا خَطَرَ بِبَالِي قَطُّ قَبْلَ أَنْ أَرَى اللاَّفِتَةَ أَنَّ الأَخْلاَقَ بِضَاعَةٌ يُمْكِنُ الاِتِّجَارُ فِيها. أَمْ تُرَى الرَّجَلَ نَصَّاباً مُحْتَالاً وأَنَّ الاِتِّجَارَ بِالأَخْلاَقِ قَدْ أَضْحَى نَوْعاً جَدِيداً مِنَ الدَّجَلِ وطَرِيقَةً مُبْتَكَرَةً لِلضّحِكِ عَلَى السَّذَّجِ الْبُسْطَاءِ؟ ولِمَ لاَ؟ وهَلْ يَصْعُبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَجِدَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَهَالَةِ زَبَائِنَ يَبْتَاعُونَ بِضَاعَتَهُ؟!
ولَكِنَّ الرَّجُلَ مُحْتَالٌ غَبِيٌّ ودَجَّالٌ أَحْمَقُ فَمَا أَظُنُّهُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ النَّائِيّةِ الْخَالِيَةِ يَجِدُ أَيَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الزّبَائِنِ، لا جَاهِلاً ولاَ غَيْرَ جَاهِلٍ. لَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُشِيدَ حَانُوتَهُ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ أَوْ فِي حَيٍّ مِنْ أَحْيَائِهَا الْعامِرَةِ بِالْمَجَاذِيبِ والْمَخَابِيلِ.
ودَفَعَنِي حُبُّ الاِسْتِطْلاَعِ إِلَى التَّقَدُّمِ دَاخِلَ الْحَانُوتِ فَقَدْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ تَسْتَحِقُّ الاِسْتِطْلاَعَ ولَمْ أَشُكَّ قَطُّ فِي أَنَّنِي أَمَامَ مَوْرِدِ تَسْلِيَةٍ ومَنْبَعِ فُكَاهَةٍ وأَنَّ بِصَاحِبِ الْحَانُوتِ لَوْثَةً أَوْ خَبَلاً أَوْ مَسّاً مِنْ فَلْسَفَةٍ.
وَوَقَعَ بَصَرِي عَلَى صَاحِبِ الْحَانُوتِ وقَدْ قَبَعَ بَيْنَ كُومٍ مِنَ (الشَّوَّالاَتِ) الْمُنْتَفِخَةِ وأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ واسْتَغْرَقَ فِي صَمْتٍ عَمِيقٍ وَوَقَفْتُ أَتَأَمَّلُهُ بُرْهَةً فَوَجَدْتُهُ كَهْلاً قَدْ وَهَنَ مِنْهُ الْعَظْمُ وَرَقَّ الْجَسَدُ وغَطَّى شَيْبَ رَأْسِهِ بِطَاقِيَةٍ بَيْضَاءَ وتَدَلَّتْ لِحْيَتُهُ الطَّوِيلَةُ عَلَى صَدْرِهِ وبَدَتْ عُرُوقُهُ الْخُضْرُ بَارِزَةً تَحْتَ جِلْدِهِ الأَبْيَضِ الرَّقِيقِ وغَطَّى جِسْمَهُ بِعَبَاءَةٍ سَوْدَاءَ ودَسَّ قَدَمَيْهِ فِي (مَرْكُوبٍ) أَحْمَرَ.
ولَمْ أَجِدْ فِي مَنْظَرِ الرَّجُلِ مَا يَبْعَثُ عَلَى الْخَشْيَةِ...وماذَا مَا أَخْشَى مِنْهُ وهُوَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ مِنَ الْوَهَنِ والْعَجْزِ. وتَقَدَّمْتُ خُطْوَةً أُخْرَى فَأَحَسَّ بِي الرَّجُلُ وانْتَفَضَ فِي مَقْعَدِهِ، فَلَقَدْ بَاغَتَتْهُ رُؤْيَتِي، وهُوَ الَّذِي لَمْ يَتَعَوَّدْ أَنْ يَرَى أَحَداً يَطْرُقُ حَانُوتَهُ فَقَنِعَ مِنَ الْبَيْعِ والشِّرَاءِ بِأَنْ يَقْبَعَ فِي صَمْتٍ ويَأْسٍ بَيْنَ أَكْدَاسِ بِضَائِعِهِ الْمُنْتَفِخَةِ الْمُكْتَظَّةِ لا يَأْمُلُ فِي شَارٍ أَوْ زَائِرٍ.
وأَقْرَأْتُهُ السَّلاَمَ فِي أَدَبٍ واحْتِرَامٍ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ جُنُونُهُ مِنْ نَوْعٍ شِرِّيرٍ خَطِرٍ، ولَكِنَّ الرَّجُلَ رَدَّ عَلَى تَحِيَّتِي فِي سُكُونٍ وتُؤَدَةٍ جَعَلاَنِي أُبْدِلُ بِرِيبَتِي فِي عَقْلِهِ رِيبَةً فِي عَقْلِي وجَعَلَنِي أُرَاجِعُ نَفْسِي مَرَّةً ثَانِيَةً...وَعَاوَدَنِي الشَّكُّ فِي صِحَّةِ قِرَاءَتِي اللاَّفِتَةَ، رُغْمَ قِرَاءَتِي لَهَا مَا يَرْبُو عَلَى الْمَائَةِ مَرَّةِ. وقُلْتُ لِنَفْسِي: "إِنَّ الْبَصَرَ خَدَّاعٌ وإِنَّهُ لاَ شَكَّ قَدْ خَدَعَنِي فِي قِرَاءَةِ اللاَّفِتَةِ فَأَبْدَاهَا عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهَا.
وأَصَابَتْنِي حَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ ودَفَعَنِي الشَّكُّ إِلَى التَّرَدُّدِ فَلَقَدْ تَصَوَّرْتُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ عَنِّي الرَّجُلُ وهُوَ عَلَى مِثْلِ مَا يَبْدُو مِنْ عَقْلٍ وحِكْمَةٍ ولا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ تاجِراً عادِيّاً لأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنَوَاعِ الْبَضَائِعِ: تَاجِرَ غِلاَلٍ، تَاجِرَ عِطَارَةٍ...أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. تَصَوَّرْتُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ عَنِّي إِذَا مَا سَأَلْتُهُ أَنْ يَبِيعَنِي أَخْلاَقاً. لِيَتَصَوَّرْ أَيُّ إِنْسَانٍ مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ عَنْهُ أَيُّ تَاجِرٍ فِي الطَّرِيقِ إِذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وسَأَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ أَخْلاَقاً.
مَجْنُونٌ ولاَ شَكَّ!!
وهَكَذَا لَمْ أرَ خَيْراً مِنَ التَّحفُّظِ فِي حَدِيثِي مَعَ الرَّجُلِ وأَنْ أُحَاوِلَ أَنْ أَتَبَيَّنَ مِنْ خِلاَلِ الْحَدِيثِ حَقِيقَةَ بِضَاعَتِهِ وهَلْ هِيَ بِضَاعَةٌ عادِيَةٌ كَغَيْرِهَا مِنَ الْبَضَائِعِ الَّتِي يَتْجَرُ بِهَا النَّاسُ أَمْ هِيَ حَقّاً كَمَا تَقُولُ اللاَّفِتَةُ: " أَخْلاَقٌ بِالْجُمْلَةِ والْقِطَاعِيِّ...". وبَدَأْتُهُ الْحَدِيثَ قَائِلاً:
-سَلاَماتْ يَا حَاجُّ...كَيْفَ الْحَالُ؟
وهَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ:
-رِضا...الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يُحْمَدُ عَلَى مَكْرُوهٍ سِوَاهُ.
-كَيْفَ حَالُ السُّوقِ عِنْدَكُمْ؟
-واللهِ "مُوشْ ولاَ بُدْ"...الْحَالُ رَاكِدَةٌ والسُّوقُ نائِمَةٌ والْبضَائِعُ مُكَدَّسَةٌ كَمَا تَرَاَهَا.
-ولَكِنْ، مَا سَبَبُ هَذَا الْكَسَادِ؟
-مَنْ يَدْرِي!
-لِمَ لاَ تُعْلِنُ عَنْهَا؟ إِنَّ الإِعْلاَنَ قَدْ أَضْحَى شَرْطاً أَسَاسِيّاً لِلنَّجَاحِ. إِنَّنَا قَدْ أَضْحَيْنَا فِي زَمَنِ الإِعْلاَنِ؛ الإِعْلاَنِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ...عَنِ الْبَضَائِعِ والأَعْمَالِ وعَنِ الأَجْسَادِ والرِّجَالِ فَمَا بَالُكَ لاَ تُعْلِنُ عَنْ بِضَاعَتِكَ؟
ورَأَيْتُ الرَّجُلَ يَبْتَسِمُ فِي سُخْرِيَةٍ:
-أَنَا أُعْلِنُ عَنْ بِضَاعَتِي؟ أُعْلِنُ عَنْ شَيْءٍ لاَ يَجْهَلُهُ مَخْلُوقٌ؟ أُعْلِنُ عَنْ شَيْءٍ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ إِنْسَانٌ؟ هَذَا واللهِ هُوَ الْجُنُونُ!
ولَمْ أَجِدْ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ مَا يَدُلُّنِي عَلَى نَوْعِ بِضَاعَتِهِ فَقَدْ كَانَ قَوْلُهُ عامّاً يَنْطَبِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَنَوَاعِ الْبَضَائِعِ. ولَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنْ أَنْ أُتَّجِهَ إِلَى بُغْيَتِي مِنْ أَقْصَرِ طَرِيقٍ فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ بِبَسَاطَةٍ:
-هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجِدَ لَدَيْكَ بَعْضاً مِنْ...
ولَمْ أُتْمِمْ حَدِيثِي أَوْ أُفَسِّرْ مَطْلَبِي بَلْ أَشَرْتُ إِلَى الأَكْيَاسِ إِشَارَةً عَامَّةً لاَ تُحَدِّدُ شَيْئاً بِالذَّاتِ لَعَلَّ الرَّجُلَ نَفْسَهُ يُسَمِّي شًيْئاً مِمَّا يَبِيعُ ولَكِنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ أَشَارَ بِرَأْسِهِ بِالْمُوَافَقَةِ عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ لَدَيْهِ "بَعْضٌ مِنْ...". وعُدْتُ أَسْتَدْرِجُ الرَّجُلَ بِقَوْلِي:
-مِنْ أَيِّ نَوْعٍ؟
-مِنْ جَمِيعِ الأَنَوَاعِ.
-أَيُمْكِنُنِي أَنْ أَرَى بَعْضَهَا عَلَى سَبِيلِ الْعَيِّنَة؟
-الْبِضَاعَةُ أَمَامَكَ...قَلِّبْ كَمَا تَشَاء.
وَوَجَدْتُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ حُلَّتْ فَلَيْسَ عَلَيَّ إِلاَّ أَنْ "أَدِبَّ" يَدِي فِي كُلِّ شَوَّالٍ فَأَفْحَصَ مَا بِهِ...ولاَ شَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي سَأَعْرِفُ مَاذَا يَبِيعُ الرَّجُلُ.
ومَدَدْتُ يَدِي فِي أَقْرَبِ الأَكْيَاسِ إِلَيَّ فَوَجَدْتُ بِهِ حَبَّاتٍ صَغِيرَةً كَحَبَّاتِ الْكُسْبُرَةِ الْجَافَّةِ. وأَخَذْتُ أَفْحَصُهَا فَحْصَ خَبِيرٍ عَلِيمٍ كَأَنِّي أَعْلَمُ مِقْدَارَ جَوْدَتِهَا أَوْ رَدَاءَتِهَا ثُمَّ أَعَدْتُ الْعَيِّنَةَ إِلَى الْكِيسِ...ومَدَدْتُ يَدِي فِي كِيسٍ آخَرَ فَوَجَدْتُ بِهِ مَسْحُوقاً أَصْفَرَ اللَّوْنِ كَكِبْرِيتِ الْعَمُودِ وَرَفَعْتُ مِنْهُ حَفْنَةً إِلَى أَنْفِي فَلَمْ أَجِدْ بِهِ رَائِحَةَ الْكِبْرِيتِ، وانْتَقَلْتُ إِلَى كِيسٍ آخَرَ فَوَجَدْتُ بِهِ مَسْحُوقَاً أَبْيَضَ أَشْبَهَ بِالْمِلْحِ...وهَكَذَا أَخَذْتُ أَنْقُلُ يَدِي مِنْ كِيسٍ إِلَى كِيسٍ والرَّجُلُ يَلْحَظُنِي مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ.
وفَحَصْتُ مُعْظَمَ مَا فِي الأَكْيَاسِ الَّتِي كَانَتْ فِي مُتَنَاوَلِ يَدِي فَلَمْ يَزِدْنِي الْفَحْصُ إِلاَّ حَيْرَةً ودَهْشَةً إِذْ كَانَتِ الأَكْيَاسُ لاَ تَحْوِي إِلاَّ مَسَاحِيقَ وَمَوَادَّ شَدِيدَةَ الشَّبَهِ بِتِلْكَ الَّتِي يُبْصِرُهَا الْمَرْءُ فِي حَانُوتِ الْعَطَّارِ ولا يَعْرِفُ لَهَا اسْمَاً.
وانْتَهَى بِيَ الأَمْرُ إِلَى أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي أَنَّ الرَّجُلَ لاَ بُدَّ وأَنْ يَكُونَ عَطَّاراً بِعَقْلِهِ لُوثَةٌ بَسِيطَةٌ أَوْ كَمَا يَقُولُونَ "هَفَّةٌ" تَجْعلُهُ يُصِرُّ عَلَى أُنْ يُسَمِّيَ عِطَارَتَهُ "أَخْلاَقاً". ولاَ أَظُنُّهُ الأَوَّلَ مِنْ نَوْعِهِ فَقَدْ سَبَقَ لِي أَنْ صَادَفْتُ بَائِعَ "فُولِ مُدَمَّسٍ" لاَ يَبِيعُ بِضَاعَتَهُ إِلاَّ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ الشَّارِي "لَوْز" وبَائِعَ "طَعَمِيَّةٍ" لا يُطِيقُ أَنْ يُطْلِقَ أَحَدٌ عَلَى بِضَاعَتِهِ سِوَى "كِبَابٍ" ولَسْتُ أَشُكُّ فِي أَنَّهَا طَرِيقَةٌ لِتَجْوِيدِ الْبِضَاعَةِ والتَّرْوِيجِ لَهَا، أَوْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي يُحْذَفُ فِيهِ الْمُشَبَّهُ ويَبْقَى الْمُشَبَّهُ بِهِ كَقَوْلِي إِذَا مَا رَأَيْتُ حَسْنَاءَ: "رَأَيْتُ قَمَراً"، أَوْ إِذَا رَأَيْتُ بَعْضَ صَحْبِي "رَأَيْتُ حَمِيراً."
وحَاوَلْتُ أَنْ أَجِدَ لِنَفْسِي صِلَةً بَيْنَ الْعِطَارَةِ والأَخْلاَقِ حَتَّى أُبْرِزَ تَسْمِيَةَ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ تَاجِرَ أَخْلاَقٍ فَلَمْ أَسْتَطِعْ فَاكْتَفَيْتُ بِأَنْ قُلْتُ لِنَفْسِي: "للهِ فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ".
كُلُّ هَذَا طَافَ بِرَأْسِي فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَاتٍ وأَنَا أَدُسُّ بِيَدِي فِي الأَكْيَاسِ وأُخْرِجُها بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. وجَلَسَ الرَّجُلُ يَرْقُبُنِي وأَنَا أَنْقُلُ يَدِي مِنْ كِيسٍ إِلَى كِيسٍ وأَخِيراً سَأَلَنِي فِي هُدُوءٍ بَعْدَ أَنْ أَبْصَرَ حَيْرَتِي:
-مَاذَا تُرِيدُ؟

نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 14:21

الجزء الثّاني
وأُسْقِطَ فِي يَدِي وزَادَتْ حَيْرَتِي ولَكِنِّي سَأَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ مُشِيراً إِلَى الأَكْيَاسِ:
-أَيُّ نَوْعٍ هَذَا؟
وأَجَابَ الرَّجُلُ بِبَساطَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ:
-شَجَاعَةٌ.
ولَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْنَعَ ضَحْكَةً أَفْلَتَتْ مِنْ شَفَتَيَّ وسَأَلْتُهُ دَهِشاً:
-شَجَاعَةٌ؟!
مَنْ يَتَصَوَّرُ هَذَا؟...إِنَّ الْمَجْنُونَ حَقّاً تَاجِرُ أَخْلاَقٍ...إِنَّ بَصَرِي لَمْ يَخْدَعْنِي فِي قِراءَةِ اللاَّفِتَةِ ومَا عادَ هُنَاكَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَيُّ شَكٍّ فِي نَوْعِ بِضَاعَتِهِ. ولَمْ يَرْتَحِ الرَّجُلُ كَثِيراً لِمَا بَدَرَ مِنِّي مِنْ ضَحِكٍ ونَظَرَ إِلَيَّ نَظَرَاتِهِ إِلَى طِفْلٍ يُرِيدُ أَنْ يَلْهُوَ وقَالَ مُؤَنِّباً:
-يَا بُنَيَّ لَيْسَ لِي وَقْتٌ لِلْمِزَاحِ...اِبْحَثْ لَكَ عَنْ مَكَانٍ لِلْعَبَثِ غَيْرِ هَذَا...إِذَا كُنْتَ لاَ تُرِيدُ الشِّرَاءَ فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَنْصَرِفَ.
ولَمْ تَكُنْ لِي بِالطَّبْعِ أَيُّ رَغْبَةٍ فِي الاِنْصِرَافِ فَقَدْ بَدَا لِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُسَلِّيَةٌ جِدّاً وأَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَقْضِيَ مَعَهُ الْمَرْءُ بَعْضَ الْوَقْتِ فَتَصَنَّعْتُ الْجِدَّ وكَسَوْتُ وَجْهِي مَظْهَرَ الْغَضَبِ وقُلْتُ بِلَهْجَةٍ تَشُوبُهَا الْحِدَّةُ كَأَنَّهُ قَدْ جَرَحَ كَرَامَتِي:
-أَيُّ عَبَثٍ هَذَا وأَيُّ مِزَاحٍ؟ إِنِّي أُرِيدُ الشِّرَاءَ...إِنَّ وَقْتِي لاَ يَتَّسِعُ لِلتَّسَكُّعِ فِي الْحَوَانِيتِ حَتَّى ولَوْ كَانَتْ حَوَانِيتَ أَخْلاَقٍ...هَلْ تَظُنُّ أَنِّي أَقْطَعُ كُلَّ هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ أَجْلِ الْعَبَثِ والْمِزَاحِ؟
وخَدَعَ قَوْلِي الرَّجُلَ فَبَدَا عَلَيْهِ الأَسَفُ وأَطْرَقَ مُتَمْتِماً بِبَعْضِ كَلِمَاتِ الاِعْتِذارِ ولَمْ أَرَ خَيْراً مِنَ الاِسْتِمْرَارِ فِي هَذَا الْجِدِّ ومِنْ كِتْمَانِ زَوْبَعَةِ الضَّحِكِ الَّتِي تَصْطَخِبُ فِي صَدْرِي وَوَضَعْتُ إِحْدَى يَدَيَّ فِي جَيْبِي وأَشَرْتُ بِالأُخْرَى فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّقَةِ والْكِبْرِيَاءِ إِلَى "شَوَّالِ الشَّجَاعَةِ" وقُلْتُ فِي مُنْتَهَى الْجِدِّ:
-زِنْ لِي رِطْلاً.
وأَجَابَ الرَّجُلُ بِنَفْسِ الْجِدِّ ولَمَحْتُ فِي عَيْنَيْهِ شَيْئاً مِنَ التَّبَرُّمِ بِجَهْلِي الْمَطْبِقِ:
-لَيْسَ بِالرِّطْلِ.
-إِذاً...أُقَةً.
-وَلاَ بِالأُقَةِ.
-كِيلُو؟!!
وهَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ فِي اسْتِنْكَارٍ فَعُدْتُ أَقُولُ فِي شِبْهِ اسْتِنَكارٍ:
-إِذاً...اِكْتَلْ لِي قَدَحاً.
-وَلاَ بِالْقَدَحِ.
وبَدَتْ عَلَيَّ الْحَيْرَةُ وسَاءَلْتُ نَفْسِي:" إِذَا كَانَ الْمَخْبُولُ يَنْوِي أَنْ يَبِيعَنِي ذَلِكَ الْمَسْحُوقَ بِالْوَاحِدَةِ فَيَعُدَّ عَلَيَّ الذَّرَّاتِ..."ولَكِنَّ الرَّجُلَ أَنْقَذَنِي مِنْ حَيْرَتِي لِيُوقِعَنِي فِي حَيْرَةٍ أَدْهَى وأَمَرَّ فَقَالَ بِلَهْجَتِهِ الْجَادَّةِ:
-نَحْنُ هُنَا لاَ نَزِنُ بِالرِّطْلِ أَوْ نَكِيلُ بِالْقَدَحِ...إِنَّ مِقْيَاسَ الْبَيْعِ هُنَا بِالزَّمَنِ فَيُمْكِنُكَ أَنْ تَأْخُذَ مِقْدَارَ شَجَاعَةِ يَوْمٍ...أَوْ عَشَرَةٍ...أَوْ إِنْ شِئْتَ مَا يَكْفِيكَ شَجَاعَةً مَدَى الْعُمْرِ.
ولَمْ أُحَاوِلْ مُنَاقَشَتَهُ خَشْيَةَ الزَّلَلِ وخَشْيَةَ أَنْ أُغْضِبَهُ فَيَطْرُدَنِي مِنَ الْحَانُوتِ. وسَأَلْتُهُ عَنْ سِعْرِ شَجَاعَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَجَابَنِي:
-الْحِسَابُ لَيْسَ الآنَ.
-أَتَبِيعُونَ الشَّجَاعَةَ "شكك"؟
-سَمِّهِ مَا شِئْتَ ولَكِنَّنَا لاَ نَقْبِضُ هُنَا ثَمَناً فَالْحِسَابُ يَوْمَ الْحِسَابِ.
وهُنَا كَانَ مِنْ أَشَقِّ الأُمُورِ عَلَى نَفْسِي أَنْ أُحَاوِلَ كِتْمَانَ الضَّحِكِ ولَكِنِّي اسْتَطَعْتُهُ فِي النِّهَايَةِ فَتَغَلَّبْتُ عَلَى رَغْبَةِ الضَّحِكِ وزِدْتُ مِنْ مَظْهَرِ الْجِدِّ ولَمْ أشُكَّ فِي أَنَّ الرَّجُلَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ "نَصَّاباً" مَا دَامَ لاَ يَنْتَظِرُ الثَّمَنَ إِلاَّ يَوْمَ الْحِسَابِ وأَحْسَسْتُ أَنَّهُ لاَ مَانِعَ عِنْدِي بَتَاتاً - ما دَامَ الرَّجُلُ يُعْطِي ولاَ يَأْخُذُ- أَنْ أُجَرِّبَ كُلَّ بِضَاعَتِهِ، وأَيُّ ضَرَرٍ هُنَاكَ فِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ شَوَّالٍ حَفْنَةً فَأُلْقِيَهَا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ أَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْمَخْبُولِ يَوْمَ الْحِسَابِ...لَوْ قَابَلَنِي يَوْمَ الْحِسَابِ.
وطَلَبْتُ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَنِي عَشَرَةَ أَيَّامٍ شَجَاعَةً. وقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَكَانِهِ فَاتَّجَهَ إِلَى صُنْدُوقٍ أَخْرَجَ مِنْهُ مِعْيَاراً صَغِيراً أَخَذَ يُعَبِّئُ بِوَاسِطَتِهِ مِنْ مَسْحُوقِ الشَّجَاعَةِ فِي قِرْطَاسٍ مِنَ الْوَرَقِ. فَلَمَّا انْتَهَى مِنَ التَّعْبِئَةِ، مَدَّ يَدَهُ إِلَيَّ بِالْقِرْطَاسِ قَائِلاً:
-هَذِهِ شَجَاعَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. إِنَّ اسْتِعْمَالَهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلاَّ أَنْ تُذِيبَ الْكَمِّيَّةَ فِي كُوبٍ مِنَ الْمَاءِ الْقُرَاحِ وتُقَلِّبُهَا جَيِّداً ثُمَّ تَجَرَّعْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لاَ تَخْشَ شَيْئاً. إِنَّ طَعْمَهَا مُسْتَسَاغٌ ولَيْسَ بِهَا أَيُّ أَثَرٍ مِنْ مَرَارَةٍ...إِنَّ مَفْعُولَهُ أَكِيدٌ وسَرِيعٌ...رُبْعُ سَاعَةٍ فَقَطْ...ثُمَّ تَظْهَرُ آثَارُهُ.
وهَزَزْتُ رَأْسِ مُتَسَائِلاً:
- ومَا هِيَ آثَارُهُ؟
-الشَّجَاعَةُ...الشَّجَاعَةُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا...سَتُصْبِحُ رَجُلاً شُجَاعاً لِمُدَّةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ...فَإِذَا أَعْجَبَكَ الْحَالُ وسَرَّكَ أَنْ تَكُونَ رَجُلاً شُجَاعاً فَاحْضُرْ إِلَيَّ قَبْلَ انْتِهَاءِ الأَيَّامِ الْعَشَرَةِ حَتَّى أُعْطِيَكَ جُرْعَةً أُخْرَى.
وكَانَ الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِلَهْجَةٍ مِلْؤُهَا الْجِدُّ والإِخْلاَصُ حَتَّى أَدْخَلَ فِي رَوْعِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَكُونُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ وأَنَّنِي قَدْ أُضْحِي فِعْلاً -إِذَا تَنَاوَلْتُ مَسْحُوقَ الشَّجَاعَةِ- رَجُلاً شُجَاعاً.
وسَأَلْتُ نَفْسِي لِمَ لاَ أُجَرِّبُ فَقَدْ يَصِحُّ قَوْلُ الرَّجُلِ وهُوَ فِيمَا يَبْدُو رَجُلٌ طَيِّبٌ شَدِيدُ الإِخْلاَصِ لَيْسَ بِهِ – فِيمَا عَدَا تِجَارَتِهِ لِلأَخْلاَقِ- أَيُّ أَثَرٍ لٍجِنَّةٍ أَوْ خَبَلٍ فَهُوَ هادِئٌ وَقُورٌ وزَيْنٌ مُهَذَّبٌ.
وعَزَمْتُ فِي نَفْسِي أَنْ أُجَرِّبَ الْمَسْحُوقَ فِعْلاً ولَكِنْ خَطَرَ لِي فَجْأَةً خَاطِرٌ أَصَابَنِي بِرَجْفَةٍ. مَنْ يَدْرِينِي أَنَّ الْمَسْحُوقَ لَيْسَتْ بِهِ مادَّةٌ سَامَّةٌ وأَنَّ الرَّجُلَ مُجْرِمٌ شِرِّيرٌ مِنْ غُوَّاةِ الْقَتْلِ وأَنَّهُ يَقْضِي عَلَى ضَحَايَاهُ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الْعَجِيبَةِ فَيُعْطِيهِمِ الْمَسْحُوقَ عَلَى أَنَّهُ "أَخْلاَقٌ" ويَخْدَعَهُمْ بِطِيبَتِهِ وإِخْلاَصِهِ فَيَقْتَنِعُونَ بِصِدْقِ قَوْلِهِ ويَذْهَبُونَ إِلَى دُورِهِمْ حَامِلِينَ الْمَسْحُوقَ وَيَتَنَاوَلُونَهُ دُونَ أَنْ يُخْبِرُوا أَحَداً خَشْيَةَ أَنْ يُسْخَرَ مِنْهُمْ فَيُقْضَى عَلَيْهِمْ فِي التُّوِّ والْحِينِ ويَذْهَبُونَ ضَحِيَّةَ الْمُجْرِمِ الشِّرِّيرِ دُونَ أَنْ يُحِسَّ أَحَدٌ بِمَا اقْتَرَفَ مِنْ جُرْمٍ.
ونَظَرْتُ إِلَى الْقِرْطَاسِ ثُمَّ إِلَى الرَّجُلِ وبَدَا مِنْ مَظَاهِرِ طِيبَتِهِ وإِخْلاَصِهِ مَا بَدَّدَ كُلَّ وَسَاوِسِي ولَكِنِّي قُلْتُ لِنَفْسِي: "إِنَّ الْحَذَرَ لاَ يَمْنَعُ الْقَدَرَ" وقُلْتُ لِلرَّجُلِ عَلَى سَبِيلِ التَّهِدِيدِ الْمُسْتَتِرِ:
-أَلَيْسَ بِهَذَا الْمَسْحُوقِ أَيَّةُ مَوَادَّ غَرِيبَةٍ غَيْرِ الشَّجَاعَةِ، مَوَادَّ مُخَدِّرَةٍ مَثَلاً أَوْ مَوَادَّ سَامَّةٍ؟
ونَظَرَ إِلَيَّ الرَّجُلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الدَّهَشِ والاِسْتِنْكَارِ وقَالَ فِي سُخْرِيَةٍ:
-مَوَادُّ مُخَدِّرَةٌ؟...ومَوَادُّ سَامَّةٌ؟...أَهَذَا كَلاَمٌ تَقُولُهُ لِتَاجِرِ أَخْلاَقٍ...سَامَحَكَ اللهُ يَا سَيِّدِي...دَعِ الْقِرْطَاسَ وانْصَرِفْ مِنْ فَضْلِكَ.
- لاَ تَغْضَبْ يَا حَاجُّ...إِنَّنِي أَسْأَلُ عَلَى سَبِيلِ الْمِزَاحِ لَيْسَ إِلاَّ...يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ رَحْبَ الصَّدْرِ مَعَ زَبَائِنِكَ...يَجِبُ أَنْ تَكُونَ صَبُوراً...أَلَيْسَ عِنْدَكَ شَوَّالُ صَبْرٍ؟!
-عِنْدِي بِالطَّبْعِ.
-خُذْ مِنْهُ جُرْعَةً تَحْتَمِلْ سَخَافَاتِ الزَّبَائِنِ.
أَخَذْتُ يَا سَيِّدِي...أَتَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أَحْتَمِلُ الْجُلُوسَ كُلَّ تِلْكَ الأَعْوَامِ الطِّوَالِ، وَسَطَ هَذِهِ الْبَضَائِعِ الْكَاسِدَةِ الْبَائِرَةِ الَّتِي لاَ يُرِيدُهَا إِنْسَانٌ دُونَ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنَ الصَّبْرِ مَا يُعِينُنِي عَلَى الاِنْتِظَارِ. لَقَدْ طَالَ بِي الْجُلُوسُ يَا سَيِّدِي بَيْنَ أَكْيَاسِ الأَخْلاَقِ، طَالَ بِي الْجُلُوسُ بَيْنَ شَوَّالاَتِ الشَّجَاعَةِ والصِّدْقِ والإِخْلاَصِ والصَّرَاحَةِ والنَّزَاهَةِ والْعِفَّةِ والصَّبْرِ والْكَرَمِ، طَالَ بِي الْجُلُوسُ بَيْنَ هَذِهِ الأَصْنَافِ الْبَائِرَةِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَنِي إِنْسَانٌ: "أَيْنَ أَنْتَ؟" وأَخَذْتُ أَشْرَبُ مِنْ شَوَّالِ الصَّبْرِ الْجُرْعَةَ تِلْوَ الْجُرْعَةِ حَتَّى كَادَ الصَّبْرُ يَنْفِدُ...والْبَضائِعُ مُكَدَّسَةٌ كَمَا هِيَ.
وأَحْسَسْتُ مَرَارَةً فِي قَوْلِ الرَّجُلِ وتَصَوَّرْتُ جِلْسَتَهُ هَكَذَا وَحِيداً فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ النَّائِيَةِ الْمُقْفِرَةِ دُونَ أَنْ يَطْرُقَ بَابَهُ أَحَدٌ أَوْ يُؤْنِسَ وَحْشَتَهُ إِنْسَانٌ. وأَخَذْتُ أَنْقُلُ الْبَصَرَ بَيْنَ الأَكْيَاسِ سَائِلاً الرَّجُلَ عَنْ مُحْتَوَيَاتِها:
-مَاهَذَا؟
-تَضْحِيَةٌ.
-وهَذَا؟
-مُرُوءَةٌ.

نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف الهادية في السبت 29 يناير 2011, 14:39

رووووعة وننتظر التكملة ..... يا أختي

الهادية
عضو مشارك
عضو مشارك

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 28/01/2011
العـــــمـــــر : 52
عـــدد المساهمـــات : 62
الـمــــــــــــزاج : الحمد لله

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف عاشق الجنه في السبت 29 يناير 2011, 14:59

و الله اكثر من رااااااااااااائعة
زيدينا من امثالها
جزاك الله خيرا
بارك الله فيك و حفظك الله من كل مكروه
سلمت و سلمت يداك
Smile
Cool
:arrow:

_________________
ما دعوة أنفع يا صاحبي .... من دعوة الغائب للغائب

ناشدتك الرحمن يا قارئاً .... أن تسأل الغفران للكاتب

عاشق الجنه
عضو فضي
عضو فضي

الجـــنـــس : ذكر
تاريخ التسجيل : 27/03/2010
عـــدد المساهمـــات : 1234

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 15:09

الجزء الثّالث
-وهَذَا الْكِيسُ الَّذِي عَلَى الرَّفِّ؟
-إِخْلاَصٌ.
-وهَذَا الَّذِي فِي الرُّكْنِ؟
-شَهَامَةٌ.
وهَكَذَا أَخْذْتُ أَسْأَلُ والرَّجُلُ يُجِيبُ حَتَّى عَدَّدَ كُلَّ مَا يَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ مِنَ الأَخْلاَقِ الْفَاضِلَةِ!!
ونَظَرْتُ إِلَى الرَّجُلِ الْمِسْكِينِ وخَطَرَ لِي خَاطِرٌ مُفَاجِئٌ. هَذَا الرَّجُلُ لاَ شَكَّ أَحْمَقُ مَنْ رَأَيْتُ...مَاذَا يُجْبِرُهُ عَلَى الْجُلُوسِ هَكَذَا بَيْنَ الشَّوَّالاَتِ الْفَاضِلَةِ فِي مَلَلٍ ويَأْسٍ وضِيقٍ وتَبَرُّمٍ، يَسْتَعِينُ عَلَى الْحَيَاةِ بَجُرْعَاتِ الصَّبْرِ الْجُرْعَةَ تِلْوَ الْجُرْعَةِ؟
أَيُّ أَحْمَقَ مَأْفُونٍ هَذَا الرَّجُلُ! مَا ضَرَّهُ لَوِ اسْتَبْدَلَ بِجُرْعَاتِ الصَّبْرِ جُرْعاتٍ مِنَ الشَّوَّالاتِ الأُخْرَى؟ مَا حاجَتُهُ إِلَى هَذِهِ التِّجَارَةِ الرَّاكِدَةِ الْكَاسِدَةِ وهُوَ لَوْ تَنَاوَلَ مِنْ كُلِّ شَوَّالٍ جُرْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْحَيَاةِ لَكَانَ لَهُ شَأْنٌ فِيهَا وأَيُّ شَأْنٍ! تَصَوَّرُوا رَجُلاً جَمَعَ كُلَّ هَذَا الْخُلُقِ والْمَزَايَا والْفََضائِلِ كَيْفَ يَكُونُ مَصِيرُهُ فِي الْحَيَاةِ ومَاذَا يُصْبِحُ؟ يَا لَلْجَاهِلِ الْغَبِيِّ! كَيْفَ يُضَيِّعُ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ تِلْكَ السِّنِينَ الْغابِرَةِ والْعُمْرِ الْبَائِدِ. لَقَدْ كَانَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُصْبِحَ زَعِيماً مِنَ الزُّعَمَاءِ ولَكِنَّهُ أَضَاعَ عُمْرَهُ فِي الاِنْتِظَارِ بَيْنَ الشَّوَّالاَتِ وفِي تَجَرُّعِ الصَّبْرِ.
ونَظَرْتُ إِلَى الرَّجُلِ نَظْرَةَ رِثَاءٍ وقُلْتُ لَهُ فِي إِشْفَاقٍ:
-يا حاجُّ...لَقَدْ ضَيَّعْتَ عُمْرَكَ سُدًى. إِذَا كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ ولَيْسَ عَلَى الإنْسَانِ لِكَيْ يُصْبِحَ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ إِلاَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ جُرْعَةً مِنْ كُلِّ شَوَّالٍ فَلِمَاذَا لاَ تَأْخُذُ لِنَفْسِكَ جُرْعَةً تَدْفَعُ بِكَ بَيْنَ عُظَمَاءِ الْقَوْمِ وتَكْفِيكَ مَشَقَّةَ الْجُلُوسِ بَيْنَ الأَكْيَاسِ فِي هَذِهِ الْوِحْدَةِ الْمُضْنِيَةِ؟
ونَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيَّ نَظْرَةً مِلْؤُهَا الاِسْتِخْفَافُ، نَظْرَةً لَوْ تُرْجِمَتْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ لَكَانَتْ: "أَيُّ أَحْمَقَ أَبْلَهَ مَجْنُونٍ مَأْفُونٍ!! أَيُّ شَيْءٍ وَضَعَهُ اللهُ لَكَ فِي رَأْسِكَ بَدَلَ الْعَقْلِ!!"
واحْتَمَلْتُ نَظْرَتَهُ ولَمْ آبَهْ بِهَا وانْتَظَرْتُ أَنْ أَسْمَعَ مَا يَلِيهَا مِنْ كَلاَمٍ يُفَسِّرُ مَا فِيهَا مِنْ هُزُءٍ وسُخْرِيَةٍ. قَالَ الرَّجُلُ:
-أَوَ تَظُنُّ أَنَّنِي حَتَّى الآنَ لَمْ آخُذْ مِنْهَا...أَوَ تَظُنُّ أَنَّنِي مَا زِلْتُ فِي انْتِظَارِ نَصِيحَتِكَ..."طَبَّاخِ السِّمْ بِيْدُوقُه"...أَفَلاَ تُرِيدُ مِنِّي أَنْ أَتَذَوَّقَ بِضَاعَتِي؟
وَصَمَتَ الرَّجُلَ بُرْهَةً ثُمَّ أَمْسَكَ بِذِرَاعِي وأَجْلَسَنِي بِجِوَارِهِ عَلَى أَحَدِ الشَّوَّالاَتِ وأَرْدَفَ قَائِلاً:
-اِسْمَعْ يَا سَيِّدِي...إِنِّي أَتَوَسَّمُ فِيكَ الْخَيْرَ وأَشْعُرُ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيَّ أَنْ أُخْلِصَ لَكَ النُّصْحَ وأَصْدُقَكَ الْقَوْلَ...سَأُحَدِّثُكَ كَصَدِيقٍ...كَتَاجِرٍ...سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثَ صَدِيقٍ مُخْلِصٍ مُجَرِّبٍ.
لَقَدْ تَنَاوَلْتُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْبِضَاعَةِ الَّتِي حَوْلَكَ: الشَّجَاعَةِ والْعِفَّةِ والْمُرُوءَةِ والتَّضْحِيَةِ...إلخ.
تَنَاوَلْتُ مِنْ كُلِّ هَذَا الَّذِي تَرَاهُ. يَا لَخَيْبَةِ الأَمَلِ! لَقَدْ كُنْتُ مِثْلَكَ حَسَنَ الظَّنِّ، سَلِيمَ النِّيَّةِ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا بِنَهَمٍ وشَرَهٍ...كُنْتُ أَظُنُّ -كَمَا تَظُنُّ- أَنَّها تَدْفَعُ بِالإِنْسَانِ إِلَى مَصَافِّ عُظَمَاءِ الرَّجَالِ ولَكِنَّ نَهَمِي قَدْ طَاشَ وفَأْلِي قَدْ خَابَ.
النَّزَاهَةُ والْعِفَّةُ والْمُرُوءَةُ والتَّضْحِيَّةُ!!
أَوَ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ مَا يَدْفَعُ بِالْمَرْءِ إِلَى مَرْتَبَةِ الزُّعَمَاءِ فِي هَذَا الزَّمَنِ؟...هَلْ تَظُنُّ أَنَّ زُعَمَاءَ هَذَا الزَّمَنِ يَجِبُ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِمْ هَذِهِ الْمَزَايَا والأَخْلاَقُ؟!
أَنْتَ أَبْلَهُ يَا سَيِّدِي -ولاَ تُؤَاخِذْنِي فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ- أَتَرَى لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الصِّحَّةِ، أَكُنْتَ تَرَى هَذِهِ الْبِضَاعَةَ مُكَدَّسَةً عَلَى الرُّفُوفِ فِي أَكْيَاسِهَا لاَ يَقْرَبُهَا إِنْسَانٌ؟
هَذِهِ بِضَاعَةٌ لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَرْءُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ...لَقَدْ أَصْبَحَتْ عَتِيقَةً بَالِيَةً...لَقَدْ أَضْحَتْ "مُودَةً قَدِيمَةً"...لاَ تُلاَئِمُ نُفُوسَ هَذِهِ الأَجْيَالِ ولا َ تَصْلُحُ لِزُعَمَائِهِمْ ولا يُقْبِلُ عَلَيْهَا إلاَّ كُلُّ مَجْنُونٍ فَقَدَ عَقْلَهُ.
لَقَدْ تَنَاوَلْتُ جُرْعَةً مِنْ كُلِّ مَا تَرَى وحَاوَلْتُ أَنْ أَخُوضَ مَعْرَكَةَ الْحَيَاةِ مُسَلَّحاً بِتِلْكَ الأَخْلاَقِ فَانْتَهَى بِي الأَمْرُ إلَى أَنْ أُتَّهَمَ بِالْجُنُونِ وهُزِمْتُ فِي دُنْيَا اللِّئَامِ شَرَّ هَزِيمَةٍ وعُدْتُ إِلَى حَانُوتِي مَلُوماً مَحْسُوراً.
ولَيْسَ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي لِكَيْ تَعْلَمَ حَالَتِي وقَتْذَاكَ إلاَّ أَنْ تَتَصَوَّرَ رَجُلاً يَعِيشُ بَيْنَ النَّاسِ ولاَ يَكْذِبُ...ولاَ يُنَافِقُ ولاَ يُدَاهِنُ...رَجُلاً يُصَارِحُ كُلَّ إِنْسَانٍ بِرَأْيِهِ فِيهِ...رَجُلاً شُجَاعاً لاَ يَهَابُ أَحَداً...رَجُلاً كَرِيماً يُعْطِي الْبَائِسِينَ مَالَهُ حَتَّى يَصِيرَ مِنْهُمْ...رَجُلاً ذَا مُرُوءَةٍ وتَضْحِيَةٍ يَخْلَعُ مَلاَبِسَهُ فِي الطَّرِيقِ لِيَقِيَ بِهَا طِفْلاً عارِياً أَضَرَّ بِهِ الْبَرْدُ...هُوَ مَجْنُونٌ بِلاَ شَكٍّ...وهَكَذَا كُنْتُ أَنَا...لَقَدْ فَرَرْتُ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ بَرِمُوا بِِي وَضَجُّوا مِنْ أَفْعَالِي...لَقَدْ هَرَبْتُ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ دَفَعَتْنِي مُرُوءَتِي إِلَى أَنْ أُطْعِمَ الْمُتَضَوِّرِينَ جُوعاً...حَتَّى تَضَوَّرْتُ أَنَا مِنَ الْجُوعِ...وكَسَوْتُ الْعَرَايَا حَتَّى عَرِيتُ دُونَ أَنْ يُحِسَّ بِي أَيُّ إِنْسَانٍ أَوْ يَرُدَّ جَمِيلِي أَحَدٌ.
وأَخِيراً يَا سَيِّدِي عُدْتُ إِلَى حَانُوتِي لأَقْبَعَ بَيْنَ أَكْيَاسِ الْبِضَاعَةِ الْخَاسِرَةِ الَّتِي لاَ تُسْمِنُ فِي هَذَا الزَّمَنِ ولاَ تُغْنِي مِنْ جُوعٍ.
وأَطْرَقَ الرَّجُلُ واسْتَغْرَقَ فِي صَمْتٍ عَمِيقٍ وشَعَرْتُ بِالرِّثَاءِ لَهُ وسَنَحَتْ لِي فِكْرَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ أَتَرَدَّدْ فِي عَرْضِهَا عَلَيْهِ.
لَقَدْ قُلْتُ لِنَفْسِي: إِنَّ الرَّجُلَ رُغْمَ كُلِّ مَا قَالَ أَحْمَقُ مَأْفُونٌ أَوْ هُوَ عَلَى الأَقَلِّ ضَيِّقُ الْعَقْلِ، قَصِيرُ النَّظَرِ، لاَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَصَرَّفُ...لَقَدْ قَالَ: إِنَّ بِضَاعَتَهُ أَضْحَتْ عَتِيقَةً بَالِيَةً وإِنَّهَا أَضْحَتْ "مُودَةً قَدِيمَةً" لاَ تُلاَئِمُ نُفُوسَ هَذِهِ الأَجْيَالِ ولا تَصْلُحُ لِزُعَمَائِهِمْ.
تُرَى مَا الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُجَدِّدَ بِضَاعَتَهُ ويَسْتَبْدِلَ "بِمُودَتِها الْقَدِيمَةِ" أُخْرَى "جَدِيدَةً"! لِمَ لاَ يُحَاوِلُ أَنْ يَتْجَرَ فِي الصِّنْفِ الآخرِ مِنَ الأَخْلاَقِ...الصِّنْفِ الَّذِي يُقْبِلُ عَلَيْهِ النَّاسُ والَّذِي يُلاَئِمُ نُفُوسَهُمْ ويَصْلُحُ لِزُعَمَائِهِمْ. لِمَ لاَ يَتْجَرُ فِي النِّفَاقِ والْجُبْنِ والْمَكْرِ والرِّيَاءِ والْخِسَّةِ و...إلخ؟
هَذِهِ لاَ شَكَّ سَتَكُونُ بِضَاعَةً رَائِجَةً وسَتُخْرِجُهُ مِنْ حَالَةِ الرُّكُودِ الَّتِي سَئِمَهَا. وَنَظَرْتُ إِلَى الرَّجُلِ وقُلْتُ لَهُ نَاصِحاً:
-إِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ لاَ تُغَيِّرُ نوْعَ الْبِضَاعَةِ مَا دُمْتَ تَعْرِفُ أَنَّهَا قَدْ أَضْحَتْ فِي هَذَا الزَّمَنِ كَاسِدَةً خَاسِرَةً؟ لِمَ لاَ تُحَاوِلُ أَنْ تَتْجَرَ فِي نَوْعٍ آخَرَ كَالنِّفَاقِ مَثَلاً أَوِ الْغِشِّ أَوِ الْكَذِبِ؟
ورَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ ونَظَرَ إِلَيَّ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى طِفْلٍ غَرِيرٍ وقَالَ فِي أَسَفٍ:
-وأَنَّى لِي أَنْ أَحْصُلَ عَلَيْهَا يَا سَيِّدِي وقَدِ اِسْتَنْفَدَهَا النَّاسُ جَمِيعَها؟ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْها صَاحِبَ الْحَانُوتِ الأَوَّلِِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا ذَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وأَنْبَأَنِي أَنّ لِذَلِكَ قِصَّةً قَدِيمَةً، فَقَدْ كَانَ الْحَانُوتُ عِنْدَمَا أُنْشِئَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي سَالِفِ الزَّمَنِ يَكْتَظُّ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الْبِضَاعَةِ، وأَقْبَلَ النَّاسُ يَتَزَاحَمُونَ وكُلُّهُمْ يَطْلُبُ النَّوْعَ الآخَرَ: الْجُبْنَ والنِّفَاقَ والْمَكْرَ والرِّيَاءَ والْخِسَّةَ...واشْتَدَّ تَزَاحُمُهُمْ وتَكَأْكَأُوا عَلَى الْحَانُوتِ يَتَدَافَعُونَ بِالْمَنَاكِبِ والأَيْدِي...وكَانَ أَكْثَرُ الْبضَائِعِ رَوَاجاً هُوَ النِّفَاقُ.
كَانُوا كُلُّهُمْ يَطْلُبُونَ النِّفَاقَ...النِّفَاقَ...النِّفَاقَ...
واشْتَدَّ الزِّحَامُ حَتَّى قُتْلَ مِنَ النَّاسِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وأَخِيراً أَصْدَرَ الْحَاكِمُ أَمْرَهُ بِإِغْلاَقِ الْحَانُوتِ وبِالاِسْتِيلاَءِ عَلَى كُلِّ مَا بِهِ مِنْ نِفَاقٍ وأَضْحَى النِّفَاقُ بِذَلِكَ بِضَاعَةً حُكُومِيَّةً وَوَضَعَتِ الْحُكُومَةُ نِظَاماً لِتَوْزِيعِهِ بِالْبِطَاقَاتِ. ولَكِنَّ الْمَحْسُوبِيَّةَ تَدَخّلَتْ فِي الأَمْرِ فَفَازَ الأَنْصَارُ والْمَحَاسِيبُ بِنَصِيبِ الأَسَدِ وحُرِمَ سَائِرُ أَفْرَادِ الشَّعْبِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِالأَنْصَارِ والْمَحَاسِيبِ.
وأَخِيراً ضَجَّ الشَّعْبُ الْمَحْرُومُ مِنَ النِّفَاقِ وطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْهُ ولَكِنَّ الْبِضَاعَةَ الْبَاقِيَةَ كَانَتْ مِنَ الضَّآلَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ توْزِيعُهَا عَلَى الشَّعْبِ فَفَكَّرَ الْحَاكِمُ فِي خَيْرِ طَرِيقَةٍ يُوَزِّعُونَ بِهَا الْكَمِّيَّةَ الْباقِيَةَ بِحَيْثُ يُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ نَصِيبَهُ مِنَ النِّفَاقِ.
وانْتَهَى بِهِمُ الأَمْرُ إلَى حَلٍّ مَعْقُولٍ وهُوَ أَنْ يَقْذِفُوا بِكَمِّيَّةِ النِّفَاقِ الْبَاقِيَةِ فِي النَّهْرِ فَيُلَوِّثُوا بِهَا الْمِيَاهَ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النِّفَاقِ مَهْماً قَلَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ لاَ شَيْءَ.
وهَكَذَا جَرَتْ مِيَاهُهُمْ بِالنِّفَاقِ وسَرَى مِنْهَا إلَى كُلِّ شَيْءٍ...سَرَى فِي النُّفُوسِ الَّتِي لاَ غِنًى لأَجْسَامِهَا عَنْ شُرْبِ مِيَاهِ النِّفَاقِ وسَرَى إِلَى أَرَاضِيهِمْ الَّتِي لاَ بُدَّ لَهَا مِنَ السُّقْيَا بِمِيَاهِ النِّفَاقِ.
وهَكَذَا سَرَى النِّفَاقُ فِي كُلِّ مَا يَشْرَبُونَ ومَا يَأْكُلُونَ وبَعْدَ أَنْ سُقِيَتْ نَبَاتَاتُهُمْ وحَيَوَانَاتُهُمْ بِمِيَاهِ النِّفَاقِ.
أَجَلْ يَا سَيِّدِي لَقَدْ أَضْحَوْا قَوْمَ النِّفَاقِ، وأَضْحَتْ أَرَاضِيهِمْ أَرْضَ النِّفَاقِ.
وصمَتَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَاكَ...وأَخَذْتُ أُفَكِّرُ فِيمَا قَالَ. وكُنْتُ مَا زِلْتُ أَحْمِلُ فِي يَدِي قِرْطَاسَ الشَّجَاعَةِ. وهَمَمْتُ بِأَنْ أُعِيدَ إِلَيْهِ الْقِرْطَاسَ لَكِنِّي تَرَاجَعْتُ وقُلْتُ لِنَفْسِي:
-لِمَ لاَ أُجَرِّبُ؟...إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ أَكُونُ فِيهَا رَجُلاً شُجَاعاً. عَشَرَةُ أَيَّامٍ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِبَةِ لَيْسَ غَيْرُ. فَإِنْ أَفْلَحْتُ كَانَ بِهَا وإِنْ لَمْ أُفْلِحْ فَإِنِّي لَمْ أَخْسَرْ شَيْئاً.
أَجَلْ...يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُجَرِّبَ جُرْعَةَ الشَّجَاعَةِ.
وقُلْتُ لِلرَّجُلِ:
-سَآخُذُ الْقِرْطَاسَ وسَأَتَنَاوَلُ مِنْهُ جُرْعَةً عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِبَةِ وسَأَعُودُ إِلَيْكَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لأُخْبِرَكَ مَاذَا فَعَلْتُ.
وهَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ وقَالَ:
-أَمْرُكَ...لَقَدْ حَذَّرْتُكَ كَصَدِيقٍ وأَنْتَ وشَأْنَكَ.
وَوَدَّعْتُ الرَّجُلَ وسِرْتُ إِلَى الدَّارِ وأَنَا أَحْمِلُ فِي يَدِي قِرْطَاسَ الشَّجَاعَةِ.

يُوسف السِّباعيّ
(أَرض النِّفاق)

يوسف السّباعي: ولد في 10 يونية 1917 بمنزل متواضع في حي السيدة زينب بالقاهرة حيث أمضى طفولتة واتبع خطوات والده الذي كان تواقا للأدب والكتابة. ظهرت موهبته الأدبية في مرحلة مبكرة من حياته وهو طالب بالمرحلة الثانوية.
تخرج السباعي من الكلية الحربية في عام 1937. منذ ذلك الحين تولي العديد من المناصب منها التدريس في الكلية الحربية.
تمّ تعيينة في عام 1952 مديرا للمتحف الحربي بعد التقاعد عن الخدمة العسكرية تولى المناصب الآتية
في عام 1959 تولى منصب سكرتير عام المحكمة العليا للفنون والسكرتير العام لمؤتمر الوحدة الافروآسيوية
في عام 1965 تولي منصب رئيس تحرير مجلّة آخر ساعة، ورئيس مجلس إدارة دار الهلال وذلك في عام 1971
في مارس عام 1973 تمّ اختيارة وزيرا للثقافة
في عام 1976 أصبح عضوا في مجلس إدارة مؤسسة الأهرام
في عام 1977 تمّ انتخابة نقيب الصحفيين المصريين
منذ عام 1951 قام السباعي بدور مؤثر في الحياة الأدبية.
اُغتيل في قبرص في 18 فبراير 1978 حين كان يحضر مؤتمراً آسيوياً أفريقياً هناك.

مؤلفاته:
1- نائب عزرائيل - رواية 1947.
2- يا أمة ضحكت - قصص - 1948.
3- أرض النفاق - رواية 1949.
4- إني راحلة - رواية 1950.
5- أم رتيبة - مسرحية 1951.
6- السقامات - رواية 1952.
7- بين أبو الرئيس وجنينة ناميش - قصص- 1950.
8- نفحة من الإيمان - قصص 1952.
9- فديتك يا ليلى - رواية 1953.
10- البحث عن جسد - 1953.
11- بين الأطلال - رواية.
12- رد قلبي - رواية 1954.
13- طريق العودة - رواية 1956.
14- نادية - رواية 1960.
15- جفت الدموع - رواية 1962.
16- ليل له آخر - رواية 1963.
17- أقوى من الزمن - مسرحية 1965.
18- نحن لا نزرع الشوك - رواية 1969.
19- لست وحدك - رواية 1970.
20- ابتسامة على شفتيه - رواية 1971.
21- العمر لحظة - رواية 1973.
22- ليالي ودموع / أطياف - 1947.
23- أثنتا عشرة امرأة - 1948.
24- خبايا الصدور - 1948.
15- إثنا عشر رجلاً - 1949.
26- في موكب الهوى - 1949.
27- من العالم المجهول - 1949-
28- هذه النفوس - 1950.
29- مبكى العشاق - 1950.
توفي سنة 1978.






نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 15:13

شكرا على مروركما. البقيّة بين يدي المنتدى.

نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف عاشق الجنه في السبت 29 يناير 2011, 15:28

jazak
العافية
etoilbrille

_________________
ما دعوة أنفع يا صاحبي .... من دعوة الغائب للغائب

ناشدتك الرحمن يا قارئاً .... أن تسأل الغفران للكاتب

عاشق الجنه
عضو فضي
عضو فضي

الجـــنـــس : ذكر
تاريخ التسجيل : 27/03/2010
عـــدد المساهمـــات : 1234

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 15:33

وإيّاك يا عاشق الجنّة.

نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف أبو إلياس في السبت 29 يناير 2011, 17:38

هاهي أرض النفاق مازالت باقية على حالها رغم مرور أزيد من نصف قرن على هذه القصة ،
و الدليل على ذلك هو الوضع الذي تعيشه أرض الكنانة هذه الأيام ، بسبب تجار الأخلاق و السياسة
و سرّاق الابتسامة و الهواء و الضوء...
رحمك الله يا يوسف

جزاك

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
---------

أبو إلياس
المديــــر العــــام
المديــــر العــــام

الجـــنـــس : ذكر
تاريخ التسجيل : 25/06/2009
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 3913
الـمــــــــــــزاج : منفعل

http://morchid.naturalforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف صادق.74 في السبت 29 يناير 2011, 18:10

Neutral barak allaho jazak

صادق.74
عضو فضي
عضو فضي

الجـــنـــس : ذكر
تاريخ التسجيل : 14/05/2010
العـــــمـــــر : 43
عـــدد المساهمـــات : 1391
الـمــــــــــــزاج : الصمت

http://algradj04.amuntada.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف أبو إلياس في السبت 29 يناير 2011, 18:20

هل تسمحين بدمج الموضوع مع الآخر من العنوان نفسه ليسهل على القارئ تصفّحهما
معا في صفحة واحدة ؟

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
---------

أبو إلياس
المديــــر العــــام
المديــــر العــــام

الجـــنـــس : ذكر
تاريخ التسجيل : 25/06/2009
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 3913
الـمــــــــــــزاج : منفعل

http://morchid.naturalforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 18:31

لا ضير أبدا إنّما خشيت أن يكون طويلا مملاّ على القارئ. تفضّلوا كما ترون.

نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف نجمة سيّدأحمد في السبت 29 يناير 2011, 18:39

وطالما أنّ النّفاق قد اختلط بالماء والأرض كما يقول الكاتب فسرى في شرايين النّاس فهل من شفاء؟
وهاهي الأرض قد اشتعلت من المحيط إلى الخليج حتّى باتت بؤرها كفوّهات براكين تنذر بدمار، بل وبعضها أمسى
أطلالا حتّى نسي أهله بغداد وغزّة وكابل والشّيشان فهل من نجاة، أم هو داء الأمس داء اليوم قد تحكّم بالعصب؟

نجمة سيّدأحمد
عضو مميز
عضو مميز

الجـــنـــس : انثى
تاريخ التسجيل : 04/12/2010
العـــــمـــــر : 48
عـــدد المساهمـــات : 695
الـمــــــــــــزاج : حادّ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جيد رد: تاجر أخلاق

مُساهمة من طرف aissa.b في السبت 29 يناير 2011, 22:42

Suspect Cool barak allaho

aissa.b
عضو برونزي
عضو برونزي

الجـــنـــس : ذكر
تاريخ التسجيل : 19/11/2010
العـــــمـــــر : 21
عـــدد المساهمـــات : 885
الـمــــــــــــزاج : هادىء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أوقات الصلاة للجزائر العاصمة وضواحيها
اختر لغة المنتدى من هنا
----------------------------------------------------------------------------